فصل: تفسير الآية رقم (3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (3):

{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)}
قوله عز وجل: {وَأَذَان} عطف على قوله: {براءة} أي: إعلام. ومنه الأذان بالصلاة، يقال: آذنته فأذن، أي: أعلمته. وأصله من الأذن، أي: أوقعته في أذنه.
{مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ} واختلفوا في يوم الحج الأكبر: روى عكرمة عن ابن عباس: أنه يوم عرفة، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن الزبير. وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب.
وقال جماعة: هو يوم النحر، روي عن يحيى بن الجزار قال: خرج علي رضي الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء، يريد الجبانة، فجاءه رجل وأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: يومك هذا، خل سبيلها. ويروى ذلك عن عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة. وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي.
وروى ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها، وكان سفيان الثوري يقول: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، مثل: يوم صفين ويوم الجمل ويوم بُعاث، يراد به: الحين والزمان، لأن هذه الحروب دامت أياما كثيرة.
وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: يوم الحج الأكبر اليوم الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن سيرين، لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده.
واختلفوا في الحج الأكبر: فقال مجاهد: الحج الأكبر: القِران، والحج الأصغر: إفراد الحج.
وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة؛ قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها.
قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي: ورسوله أيضا بريء من المشركين. وقرأ يعقوب {ورسوله} بنصب اللام أي: أن الله ورسوله برئ، {فَإِنْ تُبْتُمْ} رجعتم من كفركم وأخلصتم التوحيد، {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن الإيمان، {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

.تفسير الآية رقم (4):

{إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)}
{إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} هذا استثناء من قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} إلا مِنْ عَهْد الذين عاهدتم من المشركين، وهم بنو ضمرة، حي من كنانة، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه: أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، {وَلَمْ يُظَاهِرُوا} لم يعاونوا، {عَلَيْكُمْ أَحَدًا} من عدوكم. وقرأ عطاء بن يسار: {لم ينقضوكم} بالضاد المعجمة من نقض العهد، {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} فأوفوا لهم بعهدهم، {إِلَى مُدَّتِهِمْ} إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.

.تفسير الآية رقم (5):

{فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}
قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ} انقضى ومضى {الأشْهُرُ الْحُرُمُ} قيل: هي الأشهر الأربعة: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وقال مجاهد وابن إسحاق: هي شهور العهد، فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر، ومن لا عهد له: فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوما، وقيل لها {حُرُم} لأن الله تعالى حَّرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم.
فإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم}؟.
قيل: لما كان هذا القدر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم.
قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} في الحل والحرم، {وَخُذُوهُمْ} وأسروهم، {وَاحْصُرُوهُم} أي: احبسوهم.
قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد إن تَحَصَّنوا فاحصروهم، أي: امنعوهم من الخروج.
وقيل: امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام.
{وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي: على كل طريق، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من رصدت الشيء أرصده: إذا ترقبته، يريد: كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا.
وقيل: اقعدوا لهم بطريق مكة، حتى لا يدخلوها.
{فَإِنْ تَابُوا} من الشرك، {وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} يقول: دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لمن تاب، {رَحِيمٌ} به.
وقال الحسين بن الفضل: هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء.

.تفسير الآيات (6- 7):

{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)}
قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} أي: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم، أي: استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله. {فَأَجِرْهُ} فأعِذْه وآمنه، {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} فيما له وعليه من الثواب والعقاب، {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} أي: إن لم يسلم أبلغه مأمنه، أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون دين الله تعالى وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسن: وهذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ} هذا على وجه التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم عهد عند الله، ولا عند رسوله، وهم يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال جلَّ وعلا {إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قال ابن عباس: هم قريش. وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية.
قال الله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ} أي: على العهد، {فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} فلم يستقيموا، ونقضوا العهد، وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم: إما أن يُسلموا، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، فأسلموا قبل الأربعة الأشهر.
قال السدي والكلبي وابن إسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مُدْلج وبنو ضُمْرة وبنو الدَّيل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة.
وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء قد مضى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم}؟ وإنما هم الذين قال عز وجل: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا} كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدًا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.

.تفسير الآية رقم (8):

{كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)}
قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} هذا مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهم عهد عند الله كيف وإن يظهروا عليكم! {لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً} قال الأخفش: كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي: يظفروا بكم، لا يرقبوا: لا يحفظوا؟ وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا فيكم إلا. قال ابن عباس والضحاك: قرابة. وقال يمان: رَحِما. وقال قتادة: الإلُّ الحَلِفُ. وقال السدي: هو العهد. وكذلك الذمة، إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين. وقال أبو مجلز ومجاهد: الإل هو الله عز وجل. وكان عبيد بن عمير يقرأ: {جبر إلّ} بالتشديد، يعني: عبد الله. وفي الخبر أن ناسًا قدموا على أبي بكر من قوم مسيلمة الكذاب، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرؤوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من الله.
والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة {لا يرقبون في مؤمن إيلا} بالياء، يعني: الله عز وجل. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمة أي: عهدا. {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، {وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} الإيمان، {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}.
فإن قيل: هذا في المشركين وكلهم فاسقون فكيف قال: {وأكثرهم فاسقون}؟
قيل: أراد بالفسق: نقض العهد، وكان في المشركين مَنْ وفى بعهده، وأكثرهم نقضوا، فلهذا قال: {وأكثرهم فاسقون}.

.تفسير الآيات (9- 11):

{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)}
{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا} وذلك أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفاءه، {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} فمنعوا الناس من الدخول في دين الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك أن أهل الطائف أمدُّوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، {إِنَّهُمْ سَاءَ} بئس {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
{لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً} يقول: لا تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يُبْقون عليكم لو ظهروا، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} بنقض العهد.
{فَإِنْ تَابُوا} من الشرك، {وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ} أي: فهم إخوانكم، {فِي الدِّينِ} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، {وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ} ونبين الآيات {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. قال ابن مسعود: أمرتهم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله»؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح صدرَ أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن عباس، حدثنا ابن المهدي، حدثنا منصور بن سعد عن ميمون بن سِِيَاهٍ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا: فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله».

.تفسير الآية رقم (12):

{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)}
قوله تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} نقضوا عهودهم، {مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} عقدهم، يعني: مشركي قريش، {وَطَعَنُوا} قدحوا {فِي دِينِكُمْ} عابوه. فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} قرأ أهل الكوفة والشام: {أئمة} بهمزتين حيث كان، وقرأ الباقون بتليين الهمزة الثانية. وأئمة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة.
قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد، وهم الذين همُّوا بإخراج الرسول وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم.
وقال حذيفة بن اليمان: ما قُوتِل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد {إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ} أي: لا عهود لهم، جمع يمين. قال قطرب: لا وفاء لهم بالعهد. وقرأ ابن عامر: {لا إيمان لهم} بكسر الألف، أي: لا تصديق لهم ولا دين لهم. وقيل: هو من الأمان، أي لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} أي: لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. وقيل: عن الكفر.

.تفسير الآيات (13- 15):

{أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)}
ثم حض المسلمين على القتال، فقال جل ذكره: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} نقضوا عهودهم، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على قتال خزاعة. {وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ} بالقتال، {أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني: يوم بدر، وذلك أنهم قالوا حين سَلِمَ العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه.
وقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدؤوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{أَتَخْشَوْنَهُمْ} أتخافونهم فتتركون قتالهم؟ {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} في ترك قتالهم، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} يقتلهم الله بأيديكم، {وَيُخْزِهِمْ} ويذلهم بالأسر والقهر، {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ} ويبرئ داء قلوب قوم، {مُؤْمِنِينَ} مما كانوا ينالونه من الأذى منهم. وقال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعانت قريش بني بكر عليهم، حتى نكؤوا فيهم فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين.
{وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} كربها ووَجْدَها بمعونة قريش بكرا عليهم، ثم قال مستأنفًا: {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} فيهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر».